تعدّ المحاماة ركيزة أساسيّة من ركائز العدالة، وبموجب المادّة 12 من القرار الأميريّ رقم (57) لسنة 2021 بتعيين اختصاصات الوزارات (عدّلت بموجب القرار الأميري 2/2025) تتولّى وزارة العدل الإشراف على مزاولة مهنة المحاماة بما يعزّز أداء رسالتها النّبيلة، ويسهم في تطوير التّشريعات النّاظمة لها، ويوفّر الدّعم للمحامين بهدف توفير التّدريب والتّطوير المستمرّ، وبناء شراكة فعّالة لتعزيز سيادة القانون، مع التّركيز على تمكين الكفاءات الوطنيّة وتطوير مهاراتها.
المحاماة عريقة كالقضاء ضروريّة كالعدالة
وحيث إنّ المحاماة مهنة حرّة، بل من أجلِّ وأعظم المهن الحرّة، فهي «عريقة كالقضاء، ضرورية كالعدالة»؛ لأنّها وسيلة لكفالة حقّ الدّفاع عن حقوق الأفراد وحرّيّاتهم، ولمّا كان حقّ الدّفاع حقّ قديم، فإنّها عريقة بذات عراقة هذا الحقّ؛ فحقّ الدّفاع موجود منذ وجدت الخصومة، وهي من لوازم الاجتماع، وقد يختلط الأمر على طالب الحقّ، فيركن إلى من يأتمنه في حقوقه، وهذا يرشده برأيه، ويعمل لنصرته ويدفع عنه مخاصمته.
فوظيفة المحامي أقدم كثيرًا من لقبه، وليست وليدة العصر الحديث كما يرى بعض النّاس أو الثّورة الفرنسيّة كما يرى بعضهم الآخر، أو أنّها ترجع إلى عهد الإمبراطور جستنيان كما يعتقد بعض شرّاح القانون، وإنّما ظهرت في المجتمع الإنسانيّ وبشكل عفويّ منذ قديم الزمن، وظلّت تتطوّر وتتغيّر بتطوّر العصور وتغيّرها حتّى أصبحت بالحالة الّتي عليها الآن.
المحامي شريك أصيل للقضاء
وتظهر أهمّيّتها في دورها المزدوج وطبيعتها الثّنائيّة، فهي تحمي حقوق المظلومين، وتدافع عنها وترعى لأصحاب المصالح مصالحهم، وتحفظ للنّاس شرفهم وأعراضهم وأموالهم ضدّ كلّ معتدٍّ أثيم أو طامع غادر، وتعدّ -المهنة- من أهمّ المرتكزات الأساسيّة الّتي يقوم عليها صرح العدالة في المجتمع؛ فالمحامي بوصفه شريكًا أصيلًا للقضاء والنّيابة العامّة في تحقيق العدالة يضطلع بمهامّ جسام في عَلاقته بالمجتمع، بما يحقّق ويحفظ سيادة القانون، ويعمل على تسهيل سبل التّقاضي للمواطنين، وتحقيق العدالة النّاجزة، فالمحاماة -بغضّ النّظر عن المسمى الاصطلاحيّ- نيابة عن الغير في حمايته أو الدّفاع عنه، قِوامها الحجّة والبيان والإقناع لدى متلقٍّ ما أو متلقّين في دائرة ما في مكان ما وزمان ما، وهي بذلك فرع من أصل عامّ عرفته البشريّة منذ كانت.
والمحاماة رسالة استمدّت معناها من طبيعتها وغايتها ونهجها وأسلوب أدائها؛ لأنّها حماية ومحاماة عن «الغير» ومكابدة ومجاهدة ومناضلة من أجل «الغير» يتلاشى أمامها -ويجب أن يتلاشى- إحساس المحامي أو انحيازه لذاته أو رغباته، فيكرّس كلّ عمله وفكره ومعارفه وثقافته وقدراته وآدابه وموهبته لينهض بأمانةٍ وضعها «الغير» في عنقه.
تطوّر التّشريعات في المحاماة
المحامي، شريك للسّلطة القضائيّة، وجناح آخر للعدالة؛ لذلك حرص المشرع على استقلال مهنته، وتطورها من خلال ما أولاه لها من تنظيم ومتابعة.
فأصدر القانون المنظّم لها، ثم والاه بتعديلات متعدّدة، تتواكب مع تطوّرات العصر، ونوجز ذلك فيما يلي:
- أولًا : كان أوّل قانون متكامل لتنظيم المحاماة في قطر هو القانون رقم 20 لسنة 1980 بتنظيم مهنة المحاماة، الّذي نُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد: 13، بتاريخ 01/01/1980م الموافق 13/02/1400هـ، ص2880 وما بعدها.
- ثانيًا : صدر بعد ذلك قانون المحاماة رقم 10 لسنة 1996، الّذي نُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد: 8، بتاريخ 31/08/1996م الموافق 17/04/1417هـ، ص87 وما بعدها. نصّت مادّة الإصدار الأولى لهذا القانون على «يعمل بأحكام قانون المحاماة المرافق، ويلغى القانون رقم (20) لسنة 1980 بتنظيم مهنة المحاماة، كما يلغى كلّ حكم يخالف أحكام هذا القانون».
- ثالثًا : وأخيرًا صدر قانون المحاماة الحاليّ رقم 23 لسنة 2006، ونُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد: 8، بتاريخ 28/08/2006م الموافق 04/08/1427هـ، ص228 وما بعدها.
تعديلات على القانون عزّزت المحاماة
هذا القانون هو المنظّم حاليًّا لمهنة المحاماة، وقد دخلت عليه ثلاثة تعديلات حتّى الآن، وهي:
1 – التّعديل الأوّل بالقانون رقم 1 لسنة 2018، الّذي نُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد الأوّل، بتاريخ 04/01/2018م الموافق 17/04/1439هـ، ص3.
وقد تضمّن هذا القانون تعديل الموادّ: (5)، (6)، (9)، (11)، (13)، (15/ فقرة أولى)، (16)، (19/ بند 2)، (20)، (21)، (31)، (37)، (45)، (60)، (66)، (67) من قانون المحاماة.
وأضاف القانون البند الثّالث للمادّة (47)، والمادّة (73 مكرّرًا)، والمادّة (73 مكررًا/ 1) إلى نصوص قانون المحاماة.
2 – التّعديل الثّاني بالقانون رقم 19 لسنة 2018، الّذي نُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد: 18، بتاريخ 19/11/2018م، الموافق 11/03/1440هـ، ص24 وما بعدها.
3 – التّعديل الثّالث بالقانون رقم 19 لسنة 2025، الّذي نُشر بالجريدة الرّسميّة، العدد: 23، بتاريخ 11/09/2025م، الموافق 19/03/1447هـ، ص29 وما بعدها.
تضمّن هذا القانون تعديل الموادّ (4/ بند 1)، (5)، (10)، (12/ فقرة أخيرة)، (13/ بند7 )، (19)، (37)، (47)، (50)، (61/ فقرة أولى)، (65) من قانون المحاماة.
جاء هذا التّعديل ليوازن بين حقّ المحامي في الحصول على مقابل عادل لجهوده وبين الطّبيعة غير التّجاريّة لمهنة المحاماة؛ حيث رفع الحدّ الأقصى لنسبة الأتعاب إلى 25% من قيمة ما يحكم به في الدّعوى، لتحفيز الأداء القانونيّ. ومن جانب آخر، وُسعت دائرة الذّمّة الماليّة للمحامي بالسّماح له بالاستثمار في الشّركات التّجاريّة، مع وضع حاجز قانونيّ يمنعه من الإدارة الفعليّة، وذلك للحفاظ على سمو الرّسالة المهنيّة والنّأي بها عن الانشغالات التّجاريّة الجانبيّة.
دور وزارة العدل في دعم المحامين
في إطار سعي الوزارة الدّؤوب للارتقاء بكفاءة الممارسين، حرصت على تفعيل مسار التّأهيل التّخصّصيّ للمحامين تحت التّدريب من خلال مركز الدّراسات القانونيّة والقضائيّة. وقد تُرجم هذا الحرص إلى واقع ملموس عبر تنظيم أكثر من (16) دورة مهنيّة متخصّصة، صُمّمت وَفق أعلى المعايير لرفد الميدان القانونيّ بكفاءات وطنيّة مؤهّلة، حيث شهدت السّنوات الأخيرة تخرج نحو (84) محاميًا، ما يسهم في تعزيز جودة الأداء القانونيّ في الدّولة.
وتعزيزًا لدور السّادة المحامين كشركاء أساسيين في منظومة العدالة، وفي سبيل تهيئة بيئة عمل احترافيّة تليق بسمو رسالتهم؛ عملت الوزارة على ترسيخ نهج التّنسيق المؤسّسيّ المتكامل مع السّلطة القضائيّة والنّيابة العامّة. تُرجم هذا التّوجّه إلى حزمة من الإجراءات التّنفيذيّة والمزايا اللّوجستيّة الهادفة إلى تيسير المهامّ المهنيّة وصون هيبة المهنة، الّتي شملت: اعتماد نظام البطاقات المهنيّة الذّكية لتسهيل النّفاذ الآمن للمرافق القضائيّة، وتخصيص مسارات ومداخل مستقلّة تضمن انسيابيّة الحركة، بالإضافة إلى توفير مواقف مخصّصة لمركباتهم؛ وذلك لضمان وصولهم في الوقت المناسب، وراحتهم التّامّة لأداء واجبات الدّفاع وحماية حقوق المتقاضين في ظلّ بيئة محفّزة ومنظّمة.
وعلى صعيد الحوكمة وتطوير الضّوابط المهنيّة، عقدت لجنة قَبول المحامين أكثر من (22) اجتماعًا دوريًّا، كرّستها لمناقشة وبحث سبل النّهوض بالمهنة. وقد أسفرت هذه الاجتماعات عن إصدار حزمة من القرارات التّنظيميّة الّتي استهدفت تعزيز رصانة المهنة، والحفاظ على آدابها وتقاليدها العريقة، وضمان مواءمتها مع التّطوّرات المتسارعة في المنظومة القضائيّة.
الشّراكة بين وزارة العدل والمحامين
تجسيدًا لنهج التّشاركيّة المؤسّسيّة، تولي وزارة العدل أهمّيّة قصوى لإشراك المحامين في العديد من الأنشطة، وذلك استلهامًا من الفلسفة التّشريعيّة الّتي أرساها المشرع في المادّة (10) من قانون المحاماة. كفل القانون للمحامين تمثيلًا نوعيًّا في «لجنة قَبول المحامين» عبر عضويّة ثلاثة محامين، مما يمنحهم دورًا محوريًّا وأغلبيّة مؤثّرة في اتّخاذ القرارات الاستراتيجيّة الّتي ترسم ملامح مستقبل المهنة، وتناقش قضاياها الجوهريّة، وتذلّل التّحدّيات الّتي تواجه منتسبيها.
وممّا يحسن إيراده في هذا المقام، أنّ الشّراكة بين وزارة العدل وقطاع المحاماة لا تقتصر على الجوانب الإجرائيّة والرّقابيّة فحسب، بل تمتدّ لتشمل تكامل الأدوار في نشر الثّقافة القانونيّة وتنظيم المحافل العلميّة. يظهر ذلك جليًّا في التّعاون المباشر وغير المباشر في تنظيم النّدوات والمؤتمرات التّخصّصيّة، ومن أبرزها:
1 – ندوة «القواعد القانونيّة المنظّمة للشّيك بين الفاعليّة القانونيّة والآثار الاقتصاديّة والاجتماعيّة» (في سبتمبر/أيلول 2025) ، الّتي ناقشت الأطر القانونيّة للأوراق التّجاريّة.
2 – مؤتمر الذّكرى العاشرة لإطلاق منتدى قانون الأعمال (ديسمبر/كانون الأوّل 2025) ، الّذي يعدّ منصّة استراتيجيّة لتبادل الخبرات بين الممارسين والباحثين في قطاع المال والأعمال.
3 – تدشين يوم المحامي القطريّ، برعاية وحضور سعادة السّيّد/ إبراهيم بن علي المهنّديّ، وزير العدل ووزير الدّولة لشؤون مجلس الوزراء، وتنظيم جمعيّة المحامين القطريّة، وهو عمل مؤسّسيّ تشاركيّ؛ يتضمّن التّأكيد على المكانة الرّفيعة للمهنة والاعتراف بفضل مؤسّسيها، حيث تخلّل الحفل تكريم نخبة من الرّعيل الأوّل الّذين وضعوا لبنات الأساس للمحاماة في قطر.
وتؤكّد إنجازات وزارة العدل، التزامها الرّاسخ بدعم المحامين بوصفهم الشّريك الأساسيّ في تحقيق العدالة النّاجزة، مستمرّةً في نهجها القائم على التّطوير المستمرّ للمنظومة القانونيّة والمهنيّة.
